Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
قصص منوعة

القارب الصغير الجزء الثاني

القارب الصغير الجزء الثاني

علم سليم أنه قصر شيخ البحر ، ودخل الشيخ إلى بهو القصر الفسيح وتبعه سليم ، ثم صعدوا إلى الطابق العلوي وصعد وراءه سليم ،

حتى انتهى بهما المطاف إلى شرفة واسعة تطل على مرج أخضر فيه من كل شيء بهيج.

أشجار باسقة ، وأزهار عطرة ، وأثمار يانعة ، عدا النور والقصور التي تحيط به من كل جانب ،

والتي يسكنها الأبيض والأصفر والأحمر والأسود.

ولما سأل سليم الشيخ عن سر ما يري قال له بصراحة واختصار : أنت الآن يا بني في الجزيرة المقدسة ،

وسكان الجزيرة المقدسة من مختلف الأجناس ، فيهم الأبيض والأصفر والأحمر والأسود.

كانوا غرقى فأنقذتهم ، وكانوا ضالين فأنجدتهم ، وكانوا مرضى فشفيتهم ثم اصطحبتهم إلى جزيرتي هذه ،

ليسكنوا في قصورها الجميلة ، ويأكلوا من خيراتها الوفيرة.

وهم كما تراهم يعيشون فيها بأمان ولا يعرفون الهموم والأحزان وإنك اليوم واحد منهم ،

وستقيم في قصري هذا ما دمت تذكر أهلك ، وتحن إلى وطنك ، ومتى سلوت الأهل ،

ونسيت الوطن فسيكون لك قصر بين قصورهم وستعيش معهم بسلام ،

والآن هذه غرفتك فيها كل ما تطلب وتتمنى.

ثم مضى شيخ البحر إلى جناحه في القصر من عناء السفر ، وبقي سليم وحده ليستريح على الشرفة ، حائر الفكر ، شارد الذهن.

وبعد مدة قصيرة من الزمن ، أحس بتعب شديد فدخل إلى غرفته واستلقى على سريره ، وراح يغط في نوم عميق.

أما الصياد المسكين يوسف ، فعندما غابت الشمس ولم يحضر إبنه سليم إلى البيت ، فإنه ترك زوجته المريضة ، وولديه الصغيرين ،

وخرج من البيت ، ليسأل عن إبنه في كل بيت من بيوت القرية ، كان يسأل عن سليم رفقاء سليم ورفيقاته ،

إقرأ أيضا: توفي والداي عندما كنت في عمر العاشرة

ولما لم يجده ذهب إلى شاطئ البحر ولم يترك صخرة من صخور الشاطئ إلا وقف عليها وصرخ بأعلى صوته : «سليم ، سليم».

ولما أعياه النداء ، عاد إلى بيته كالمذهول ، وهو لا يصدق أن إبنه البار سليم يتركه ،

ويترك أمه المريضة وأخويه الصغيرين ، فهو سيرجع إليهم حتما لأنه يحبهم.

ولما اقترب الصياد المذهول من بيته سمع صياح ولديه نبيل وسعاد ، إنهما يبكيان خوفا ورعبا.

وما كاد يدخل عليهما حتى ألقيا بأنفسهما عليه ، ثم سألاه عن أخيهما سليم.

فتجلد الأب المسكين وتصبر ، وقال لهما بصوت خافت : إن أخاكما سليما سيعود قريبا إن شاء الله ،

وسيحمل معه العلاج الناجح الذي سيشفي أمكما من مرضها فتتحسن صحتها ، وتعود لبيتنا بهجته وسعادته.

لقد فرح الصغيران فرحا عظيما بشفاء أمهما القريب ، وغلب عليهما النعاس فناما.

أما الوالد المسكين ، فلم تغمض له عين ، ولم يهدأ له بال ، وقضى ليلته خائفا ساهرا ، يفكر في مصير إبنه البار سليم.

فيتصور تارة أن وحشا كاسرا افترسه ، ويتخيل تارة أن البحر العاتي ابتلعه ، ويغمض عينيه هلعاً ورعبا ،

وتنهمر الدموع على خديه ، ويبدأ في النحيب.

وأما الوالدة العليلة ، فإن المرض الوبيل قد برى جسمها ، حتى لم يبقَ منه سوى الجلد والعظم.

كما انعدم سمعها ، وانطفأ النور في عينيها ، فهي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تعرف شيئًا مما يجري حولها.

لقد مرت الأيام ، وأبو سليم يهدّه الحزن ، ويحلمه اليأس ، وأم سليم تقترب من نهايتها.

أما نبيل وسعاد فقد أحسا بالشقاء والفقر يخيمان على بيتهما وشعوراً بأن أمهما ستفارقهما إلى الأبد ،

وأن أباهما قد أنهكه مرض زوجته الأمينة ، وفراق إبنهم البار سليم.

لذلك كانا ينتظران كل يوم ، من الصباح حتى المساء ، عودة أخيهما سليم قبل فوات الأوان ،

حاملًا معه العلاج الناجع لأمهما الحنون ، والقوة والسرور لأبيهما الوفي.

فتعود للبيت بهجته ، وللعائلة سرورها.

إقرأ أيضا: يحكى أن رجلا كان يعمل في أحد المصانع الكبيرة

أما الإبن البار سليم ، فكان في الجزيرة المقدسة ، وكانت تمر عليه الأيام ، فيحسبها أطول من الشهور والأعوام ،

ولم ينس أهله ووطنه والجزيرة المقدسة ، بدورها الشاهقة ، وأشجارها الباسقة وهوائها العليل ،

ومائها السلسبيل ، وأعشابها النضرة ، وأزهارها العطرة ، وظلالها الظليلة ومناظرها الجميلة لا يدخلها إنسان إلا وينسى الأهل والأوطان ،

ويعيش مع الذين دخلوها قبله في سلام وأمان.

فهي بسحرها الفاتن وروعتها الفائقة ، تحول الشقاء إلى سعادة وهناء ، واليأس إلى أمل ورجاء إلا الآبن البار سليم ،

فإنه منذ دخلها ، ووطأت أرضها الخيرة رجلاه ، لم ينس أمه ، وأباه الوفي وأخويه الحبيبين.

بل زاد شوقه إليهم وتعلقه بهم وهو يتذكر أمه العليلة ولا يدري ، أتغلب عليها المرض الخطير فقضى عليها ،

أم أنها لا تزال تتحمل آلامها بجلد وصبر ، والصبر مفتاح الفرج.

عسى أن يمنحها الخالق الكريم الصحة والشفاء.

ويتصور أباه العزيز ولا يعلم ماذا حدث له بعد طول الفراق ، هل خانه الصبر والجلد والسلوان ،

فلزم البيت حزينا كئيبا ، أم أن أمله الحلو بعودة إبنه ، وإيمانه الكبير بشفاء زوجته قد خففا من مصيبته.

فهو ما زال صامدا صابرا ، يدعو الله القدير أن يكون بعونه ، ويزيل همه ، ويتخيل أخويه الصغيرين ،

نبيل وسعاد ، وهما يبحثان عنه داخل البيت وخارجه ، فلا يجدانه ولا يقفان له على خبر.

كانت تمر هذه الذكريات والصور في رأسه وأمام عينيه فينفجر بالبكاء ، وتنهمر الدموع من عينيه ،

ثم يعلو صياحه وعويله حتى أن سكان الجزيرة المقدسة تعجبوا منه ، وحاروا في أمره.

فهو قد حول نعيم جزيرتهم المقدسة إلى جحيم من كثرة نحيبه وعويله.

أراد سكان الجزيرة المقدسة معرفة سبب بكاء الإبن البار سليم وعويله ، فألموا وفدًا منهم ، وكلفوه بمقابلة شيخ البحر ،

سيد الجزيرة ورئيسها ، كي يعرض له أمر هذا الولد الغريب الذي عكر صفوهم ، ونكد عيشهم.

إقرأ أيضا: رواية أطفال الغابة الجزء الأول

وفي صبح أحد الأيام ، استقبل شيخ البحر أعضاء الوفد ، وسألهم عن حاجتهم ، فقال له كبيرهم :

يا سيدي الشيخ ، إن الولد الذي يقيم في قصرك ، قد أزعج نفوسنا بعويله ، وأقلق خواطرنا ببكائه ؛

وإذا استمر ببكائه وعويله فسيحول نعيم جزيرتنا المقدسة إلى جحيم.

وإننا نرجوك أن تزيل السبب الذي من أجله يبكي وينوح حتى يبقي لجزيرتنا بهاؤها ورونقها.

وَلَقَدِ اسْتَدْعَى شيخ البحر الإبن البار سليم ، فحضر حالاً ووقف بين يديه ، وسلّم عليه.

فسأله الشيخ بلطف وعطف : أما تزال يا سليم تحنّ إلى وطنك ، وتشتاق إلى أهلك؟

فأجاب، سليم ، بجرأة وأدب : يا سيدي الشيخ ، إن اشتياقي لأهلي يزداد ، وحنيني لوطني يقوى ،

وإن أمي الرؤوم ، تنتظر عودتي ومعي العلاج الناجح الذي يشفيها من مرضها فتعود إليها صحتها وقوتها ، وتزاول عملها في البيت ،

ويرجع أبي إلى عمله في البحر ، ويذهب إخوتي إلى المدرسة ، وتعود لبيتنا بهجته ، ولعائلتنا سعادتها.

ولما سمعَ أعضاء الوفد كلام سليم ، أعجبوا كثيرًا بوفائه وذكائه ، ودمعت عيونهم عطفًا عليه ورأفة به ،

وطلبوا من شيخ البحر أن يقضي حاجة هذا الولد البار ، الذي يستحق التقدير والإكبار.

فوعدهم شيخ البحر خيرًا ، ثم تركهم ومضى إلى جناحه في القصر ، ليستريح قليلا.

لقد انصرفَ أعضاء الوفد ، حامدين ، شاكرين ، لأن الشيخ احتفى بهم ، واستقبلهم أحسن استقبال ،

ولبى رغبتهم في الحال ورجع سليم إلى غرفته ، وهو لا يكاد يصدق ما سمعته أذناه :

إنه ينتظر ساعة الفرج ، بشوق ولهفة لقد مالَ ميزانُ النهار ، وغابت الشمس ، ومشى الليل في الجزيرة ،

حتى إذا لفَّها بجناحيه ، بدت وكأن كل شيء فيها هادئ صامت ، فلا حركة إلا حفيفُ أوراق الشجر ، واهتزازُ الغصون ،

ولا صوت إلا صوت تكسر الأمواج على صخور الشاطئ القريب ، ووقعُ خطواتِ سليم وهو يذرع أرضَ الشرفةِ ذهاباً وإيابا ،

ينتظر الأمر بالرحيل.

إقرأ أيضا: الملياردير البرازيلي سيسيرو

انقضت ساعةُ من الليل ، حسبها سليم يوماً بل شهرًا ، ولم تنقض الساعة التالية ، حتى دخل شيخ البحر على سليم ،

وأشار إليه أن اتبعني ، فتبعه حتى وصلا إلى الشاطئ ؛ فصعد الشيخ إلى قاربه الصغير ، وصعد معه سليم ، ثم أرخى الحبل ،

وسار القارب يشقُّ ماءَ البحر الذي كان مصقولًا كأنه المرآة ورفع سليمُ رأسَهُ نحو السماء ، شاكرًا ربَّ العلاء ،

وهو يتمنى لو يدرك أمَّه ، ويرى أباه ، ويلتقي بأخوَيه.

ولم ينتصف الليل ، حتى أطل القاربُ على الشاطئ الثاني ، شاطئ بلده الحبيب ، الذي لم ينسه سليم حتى في الجزيرة المقدسة بل زاد حبُّه له ، وتعلُّقُه به.

وأمام الصخرة ذاتها التي جلس عليها سليم منذ مدة بعيدة ، أوقف شيخ البحر قاربه ، ثم ضم سليماً بين ذراعيه ،

وقبله على خديه ، وخاطبه بعطف وحنان : أيها الإبن البار ، لقد وصلت إلى وطنك ، وستلتقي بأهلك ،

وإنني، مكافأةً لك على إخلاصك ووفائك ، أقدم إليك هذه الهدية الثمينة ، إنها خاتم السعادة الذي يشفي المريض ،

ويغني الفقير ، ويسعد البائس : فاحرص عليه ، واحتفظ به ، وانتفع منه.

كان سليم يسمع هذه الكلمات المؤثرة ، وعيناه عالقتان بعيني الشيخ الجليل ، الذي بدا وكأنه قديس من القديسين.

تناول سليم الخاتم ووضعه في إصبعه ، فأحس بالغبطة والسرور يملآن قلبه ، ثم أمسك بيد الشيخ القديس ،

وقبّلها حباً ووفاء وودعه ونزل من القارب ، وجرى مسرعاً نحو القرية وهو يتمنى لو يدرك أمه ، ويرى أباه ويلتقي بأخويه.

وصل سليم إلى بيته ، وطرق الباب بيده اليمنى ، ويده اليسرى على قلبه ، فهو يخشى أن لا يجد أمه فيه ،

ولما انفتح الباب نظر إلى أبيه الواقف أمامه كالمذهول بعين ، ونظر إلى فراش أمه حيث تركها بالعين الثانية ،

ثم أسرع نحو أمه ، وانحنى عليها ووضع خاتم السعادة بيدها ، فدُبت الحياة في أعضائها ، وجرى الدم في عروقها ،

إقرأ أيضا: يقول رجل قبل فترة خرجت مع إمرأة غير زوجتي

وعاد النور إلى عينيها ، وانطلق لسانها فقالت وما أحلى ما قالت : الحمد لله الذي بفضله غمرني ، وشكراً لشيخ البحر الذي بخاتمه أنقذني.

وفي الصباح ، زاولت أم سليم عملها في البيت ، ورجع أبو سليم لشغله الذي يدر على العائلة الكساء والغذاء ،

وذهب سليم ونبيل وسعاد إلى المدرسة

لقد عاد لبيت صياد السمك يوسف ، بهجته وسعادته وعاد لعائلته هناؤها وسرورها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
× How can I help you?