Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
قصص منوعة

من كتاب قصاصات غير قابلة للطعن

من كتاب قصاصات غير قابلة للطعن

مقتل القاضي الشرعي الأول بدمشق (قاضي دمشق الممتاز)

كان منصب القاضي الشرعي الأول في دمشق يطلق عليه لقب قاضي دمشق الممتاز ،

وقد درج أن يحتل هذا المنصب كبار فقهاء الدين ورجال القانون نظراً لحساسية هذا المنصب ودوره.

وكان القاضي الممتاز في دمشق في العام 1950 هو القاضي الشيخ عادل العلواني ،

وقد عرف عن هذا القاضي شدة نزاهته وعدله وعدم انحيازه عن الحقيقة مهما كلفه من ثمن.

وقد عرضت على القاضي العلواني قضية هامة تتعلق بوصاية على أطفال قصر ،

وتتلخص وقائع هذه القضية أن سعدي الكيلاني وهو من كبار أصحاب الأراضي المتنفذين ،

كان قد باع إحدى قراه (بيت سوا) للسيد حمدي الجزائري.

بعد فترة من شراء السيد حمدي الجزاري لقرية (بيت سوا) وجد مشنوقاً فيها.

انحصر إرث حمدي الجزائري بزوجته وأولاده القصر.

تقدمت زوجة الجزائري بطلب وصاية على الأولاد ، إلا أن سعدي الكيلاني تقدم بطلب تدخل في الدعوى طالب فيه بتعيينه وصياً على قرية (بيت سوا) ،

كونها تقع ضمن قراه وتحتاج لنوع خاص من الرعايا والعناية في إدارتها.

رفضت الزوجة طلب الكيلاني كما رفض القاضي العلواني هذا الطلب.

وعلى الرغم من الضغوط العديدة المادية منها أم المعنوية التي مارسها الكيلاني على القاضي ،

إلا أن القاضي أصر على قراره ورفض طلب التدخل المقدم من سعدي الكيلاني.

اعتبر الكيلاني قرار القاضي تحدياً له فاستأجر ثلاثة من الزعران المعروفين بمدينة دمشق ،

وهم محمد خير الدرويش ومحمود الصباغ ومحمد ديب الحاووط وطلب منهم أن يتهجموا على القاضي ويضربوه،

وذلك بالقرب من باب داره التي كانت بمحلة الحريقة وبأن يسرقا عمامته البيضاء ويرميانها بالطريق على مرأى من جميع المارة.

إقرأ أيضا: حكاية العجوز عائشة

وربما كان الثمن الذي دفعه الكيلاني كبيراً لدرجة أن هؤلاء الزعران لم يكتفوا بضرب القاضي فقط ،

بل تعدوا ذلك إلى طعنه بالسكين طعنة أفضت إلى وفاته مباشرةً.

في دمشق قامت الدنيا ولم تقعد ، فهذه الجرائم كانت نادرة الحدوث وغير مألوفة بالمجتمع الدمشقي ،

وكانت الصحف تأتي بأخبار هذه الحادثة يومياً وتنتظر إلقاء القبض على القاتل.

وما هي إلا أيام معدودة حتى تم إلقاء القبض على القتلة ،

وعندها اعترفوا بأن من قام باستئجارهم هو أحد الأشخاص الذين كانت لهم قضية عند القاضي العلواني ،

وبأنه خسر هذه الدعوى وأراد أن يؤدب القاضي جراء ذلك.

وكانت قد تألفت محكمة تدعى (بالمجلس العدلي) في العام 1949 جراء الانقلابات العسكرية التي حدثت في دمشق بتلك الفترة ،

وقد تألفت هذه المحكمة من خمسة قضاة ثلاة مدنيين ، اثنان عسكريين.

المدنيون هم ، رئيس المحكمة القاضي حنا مالك ، القاضي الممتاز ماجد الغزي ، والقاضي الممتاز احسان وصفي.

والعسكريون هم ، العقيد حسام عابدين ، والعقيد عز الدين البوشي.

وقد تم تكليف القاضي الممتاز رياض الميداني بمهمة ممثل النيابة العامة.

قد تم تكليف هذه المحكمة للنظر في قضية مقتل الشيخ العلواني.

في البداية لم يجد المتهمين من يدافع عنهم من محامي دمشق إلى أن تطوع أحد المحامين المقيمين في دمشق ،

وهو المحامي المصري حسن غزاوي الذي تعهد بالدفاع عن القتلة وعن محرضهم.

وقد كانت نظرات الاحتقار لا تبارح تواجه هذا المحامي طيلة مرافعاته أمام المحكمة ،

لا لأنه يقوم بالدفاع عن موكليه وهذا واجبه القانوني بل لأنه تمادى بحق القضاة بدمشق وبحق القاضي الشهيد عادل العلواني.

إقرأ أيضا: يحكى أن زوجين قد دخل الشيطان بينهما وتشاجرا ليلا

وبعد محاكمة طويلة وأخذ ورد أصدرت المحكمة قرارها النهائي رقم /19/ تاريخ 25 أيار 1950 ،

والقاضي بإعدام القتلة وبالأشغال الشاقة المؤبدة على المحرض.

بقي أن نذكر في هذه الحادثة قصتان ذكرهما القاضي الشيخ علي الطنطاوي قاضي دمشق الممتاز ،

الذي خلف القاضي عادل العلواني بمنصبه وهما على التوالي كما يقول الشيخ الطنطاوي :

القصة الأولى ..

لم أكن أعلم ونحن نشيع القاضي عادل العلواني بأنه يعاني من ضيق الحال حتى زرنا منزله ،

ووجدنا زوجته الأرملة وتسعة أولاد أيتام يبكون على والدهم وهم لا يملكون حتى ثمناً لكفن فقيدهم.

فما كان مني عقب خروجنا من صلاة الجنازة التي كانت في تكية السلطان سليم إلا أن وقفت على باب المسجد ،

ومنعت الجميع من الخروج وكان في مقدمتهم السيد وزير العدل وبينهم قضاة ووجهاء ،

وألقيت كلمة فيهم سالت منها مدامعهم ووصفت حال أولاده من بعده وقلت لهم :

لن تخرجوا من هنا حتى تتعهدوا لي أمام نعشه بأنكم لن تضيعوا أولاده من بعده ،

وأنكم تجعلون راتباً يكفيهم ولا يفي هذا الراتب مهما كبر بما بذل أبوهم لبلده.

أما القصة الثانية ..

فيقول الشيخ الطنطاوي رأيت اليوم وأنا على قوس المحاكمة طفلاً أشقر جميلاً صغيراً جداً يتسلق درج القوس ،

فحسبته ابن إحدى المتداعيات قد أطلقته يعبث في القاعة فهممت بزجره.

ولكني رأيته يتقدم مطمئناً ثابت الخطى حتى أقبل فوضع خده على ظهر كفي وجعل يتمسح بها كالقطة الأليفة ،

فنظرت إليه وإذا هو ابن أخي الشهيد الذي قتل ظلماً الشيخ عادل العلواني.

فاستعبرت ورق قلبي وامتلأت بالدمع عيناي وتركته حيث وقف وخالفت لأول مرة منذ عشرين سنة مارست فيها القضاء نظام الجلسات وقواعد المحاكمة.

إقرأ أيضا: قصة خيانة زوجة

مع أن ابنة لي في مثل سنه جاءت (مرة واحدة) المحكمة مع أمها فنادتني وركضت لتصعد القوس ،

فأبكيتها وأنزلتها وأخرجتها ولكن هذا الطفل كان متعوداً على ذلك أيام أبيه فلم أشأ أن أكسر قلبه ، وقال لي الطفل فجأة :

مات بابا؟ فأحسست كأن قد وقع على وجهي سوط من نار ، وانعقد لساني ، فلم أجب.

فسكت ثم قال : وين بابا؟ طول ما بدو يزي (يعني يجي) فلم أنطق قال ليس (يعني ليش) كل ما سألت عن بابا ماما بتبكي؟

الكبار بيبكوا شي ولم أجب فرجع يقول : ما عاد بابا زاب سكر وين بابا؟

فأعطيته سكاكر كانت في جيبي أعددتها لأولادي فاشتغل بها ثم أقبل علي ورفع وجهه إلي وقال مهتماً :

عمو نزلوا الدم لبابا سفت الدم على الدرز ليس نزلوا له الدم؟ سو ساوى لهم ، ليس ما يحبوا بابا أنا بحب بابا.

وتعطلت الجلسة حقيقة وتحولت إلى مناحة النساء يبكين بصوت مسموع والمحامون والكاتب والمحضر وأنا كلنا غلبنا البكاء.

بعد مراسم الدفن وفي الأيام اللاحقة لمقتل الشيخ العلواني قامت الصحافة بالدعوة لأن تتكفل الحكومة بأولاده الأيتام ،

وهي دعوة لاقت استجابة من المجلس التأسيسي (المجلس النيابي) فقدموا للحكومة الاقتراح التالي :

” إلى رئاسة مجلس الوزراء دولة رئيس الجمعية التأسيسية الموقر :

إن الجريمة النكراء التي ذهب ضحيتها القاضي الأستاذ عادل العلواني قد هزت البلاد من أقصاها إلى أقصاها ،

وسيقول القضاء النزيه كلمته العادلة فيها إلا أننا نرى من واجب الأمة أن تكون وفية للذين يسقطون ضحية الواجب المقدس ،

لذلك نرجو إحالة هذا الاقتراح للحكومة لتعمل على تحقيق النقاط التالية :

اعتبار القاضي المغفور له شهيد الواجب ، لأنه اغتيل بسبب قيامه بواجبه.

إقرأ أيضا: هل هي جميلة؟

اعتبار ولده الذي يدرس في ستراسبورغ موفداً على حساب الأمة حتى ينجز دراسته.

تخصيص راتبه الكامل لأسرته.

ونعتقد أننا بتقديم مثل هذا الاقتراح إنما كنا صدىً صادقاً لشعور الأمة حيال هذه الفاجعة الأليمة دمشق في 12/3/1950″.

وقد وافقت الحكومة على هذا الاقتراح فأكمل أيهم بن عادل العلواني دراسته في ستراسبورغ ،

أما ابنه الثاني ريف العلواني فقد انتسب إلى الجيش وصار ضابطاً فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
× How can I help you?